الشيخ عبد الغني النابلسي

195

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

معشر المحققين من أهل اللّه تعالى العارفين من يأخذه ، أي الحكم الإلهي في القضية عن اللّه تعالى من غير واسطة دليل ظاهر فيكون حينئذ خليفة عن اللّه تعالى بعين ذلك الحكم الذي تلقاه من وحي الإلهام فتكون المادة له في تلقي ذلك الحكم عن اللّه تعالى من حيث كانت المادة فيه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم وهذا المقام يسمى مقام القربة ، وللمصنف قدس اللّه سره في تبيينه وتحقيقه رسالة مستقلة ذكر فيها أن هذا مقام فوق الصديقية ودون النبوّة ، وإن أبا حامد الغزالي وبعض العارفين ينكره ويقول : ليس فوق الصديقية إلا النبوة . والشيخ رضي اللّه عنه قد حقق به ووجده مذكورا في بعض كتب أبي عبد الرحمن السلمي نصا واسمه مقام القربة ، وأن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه كان له هذا المقام في زمان خلافته زيادة على مقام الصديقية . ومن هذا المقام قاتل بني حنيفة وسباهم وقال عمر رضي اللّه عنه : فما هو إلا أن رأيت أن اللّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق . فهو ، أي صاحب هذا المقام المذكور في الظاهر متبع للرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما جاء به من شرائع الأحكام لعدم مخالفته له في الحكم أصلا وهو في الباطن مستقل بأخذ عين الحكم الشرعي من اللّه تعالى بغير واسطة رسول من البشر وإليه الإشارة بقوله تعالى : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ غافر : 15 ] الآية . وقوله تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] فقد أخبر تعالى أن المتبع في الظاهر على بصيرة أيضا مثل الرسول صلى اللّه عليه وسلم كعيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان فحكم بشريعتنا فإنه متبع في الظاهر ، وفي الباطن إنما هو مستقل بوحي اللّه تعالى إليه عين هذا الحكم الذي في شريعتنا ، ولا يأخذه عليه السلام من اجتهاد عقلي لعصمته من الخطأ واحتماله . وكان النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى له عن الأنبياء الماضين عليهم السلام أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ، أي اتبع لهم في هداهم مع أنه صلى اللّه عليه وسلم يوحى إليه بعين ذلك الحكم المأمور بالاتباع فيه فهو متبع في الظاهر

--> كاملا : عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال : أقضي بكتاب اللّه قال : فإن لم تجد في كتاب اللّه قال : فبسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : فإن لم تجد في سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا في كتاب اللّه قال : أجتهد رأيي ولا آلو فضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدره وقال : الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه .